في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة التفاعلات وحالة الغليان المجتمعية والقبيلة على وجه التحديد تجاه ممارسات مليشيات الحوثي الإرهابية، برزت "مطارح الريان" بمحافظة الجوف كواحدة من أكثر مظاهر التهديد لسيطرة الجماعة منذ سنوات. فما بدأ كقضية ذات طابع شخصي وقبلي، سرعان ما تطور إلى حراك واسع، ليأخذ أبعاداً اجتماعية وسياسية وأمنية، وسط مؤشرات على اتساع حالة الاحتقان تجاه الجماعة.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن الدعوة إلى "النكف القبلي" التي أطلقها الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، لاقت استجابة واسعة من قبائل يمنية متعددة، في اصطفاف قبلي نادر أعاد إلى الواجهة دور القبيلة باعتبارها أحد أهم الفاعلين في المشهد اليمني، وأثار في الوقت ذاته مخاوف جماعة الحوثي من تحول هذه التحركات إلى تحرك مسلح للإطاحة بهم.

احتشاد قبلي واسع واستنفار حوثي
منذ أيام تشهد منطقة الريان شرقي محافظة الجوف خارج السيطرة الحوثية، توافد آلاف المسلحين من أبناء القبائل اليمنية استجابة لدعوات النكف، حيث شاركت وفود قبلية من أكثر من عشرين قبيلة، بينها قبائل دهم وبكيل في الجوف، إضافة إلى قبائل من يافع ومأرب وأرحب وريمة والحيمتين، ومختلف المحافظات ووصولاً إلى قبائل نهد والعوامر في حضرموت والمهرة، في مشهد يعكس اتساع دائرة التضامن القبلي بصورة غير مسبوقة.
في المقابل، دفعت جماعة الحوثي بتعزيزات عسكرية إلى المناطق المحاذي لمنطقة المطارح وعززت من تشديد اجراءاتها الأمنية داخل مناطق السيطرة، بالتزامن مع أنباء عن لجوئها لقطع خدمات الاتصالات والإنترنت في عدد من المناطق، في خطوة فسرها مراقبون بأنها محاولة لعزل الميدان عن التغطية الإعلامية والحد من انتشار المعلومات.
كما شهدت بعض المديريات، بينها برط والزاهر، احتكاكات مسلحة متقطعة بين عناصر قبلية ومسلحين تابعين للجماعة، الأمر الذي رفع مستوى التوتر وأثار تكهنات بشأن اندلاع مواجهات مسلحة.
جذور القضية
تعود خلفية القضية إلى نزاع حول ملكية عقار في صنعاء بين امرأة تدعى "ميرا"، تقول إنها تنتمي إلى عائلة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وبين القيادي الحوثي فارس مناع، الذي استولى على المنزل مسنوداً بميليشيات الحوثي.
وبحسب رواية الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، فإن المرأة لجأت إليه طالبة الحماية والإنصاف وفق الأعراف القبلية اليمنية، إلا أن مليشيات الحوثي قامت باختطافهما معاً، حيث بقي الشيخ قيد الاحتجاز قرابة خمسين يوماً، قبل أن يتمكن لاحقاً من مغادرة مناطق سيطرة الجماعة والوصول إلى المناطق المحررة شرق الجوف.
ويقول الشيخ الحزمي إنه تعرض خلال فترة احتجازه لضغوط وتعذيب لإجباره على التوقيع على تنازلات والإدلاء باعترافات مصورة تنفي رواية المرأة، وعقب خروجه، أعلن الشيخ ما يعرف في الأعراف القبلية بـ"كسر الجنبية"، وهي خطوة رمزية تعني إعلان "النكف العام" واستنفار القبائل طلباً للإنصاف ورد الاعتبار، معتبراً ما تعرضت له المرأة المستجيرة به يمثل "عيباً أسود" في العرف القبلي اليمني.
لماذا استجابت القبائل بهذه السرعة؟
يرى مراقبون أن حجم الاستجابة للنكف لا يرتبط بالقضية ذاتها فحسب، بل يعكس تراكم حالة من السخط داخل الأوساط القبلية نتيجة جملة من السياسات التي اتبعتها مليشيات الحوثي خلال السنوات الماضية.
وتتمثل أبرز أسباب هذا الاحتقان في تصاعد انتهاكات الجماعة بحق أبناء القبائل وتعمد إذلالهم مع سياسة التجويع الممنهج واجراءات التعسف والتطييف المستمرة، إضافة إلى شكاوى متكررة من مصادرة أراضٍ وعقارات، وفرض جبايات وإتاوات، إلى جانب استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع رواتب الموظفين في مناطق الحوثية، وهو ما أسهم في تعميق الفجوة بين الجماعة والمجتمع القبلي.

